سيرك الليل

silly pen

silly pen

بتاريخ نشرت

كانت زيارة "سارة"للمنزل أمرا مسعدا لأختها , رغم ما تبديه من تجهم ,فهي ترفض ابداء مشاعرها سعيدة كانت او حزينة , لكن الأمر الذي ألفتها هو ذلك الكتاب الذي كان في جعبتها,رفضت سارة مرارا ان تعير الكتاب لها , ولو كان على سبيل الاستطلاع لا أكثر, ليس لاسرار به ولا لغلافه الجذاب,ذو اللون الأحمر الصارخ, والأسود الذي غالبا ما كان مجرد ظلال لأناس أو حيوانات موضوعة  بدقة حول الدائرة الزرقاء الباردة ,تتوسطها فتاة ذات ظل ذاكن كذلك,كانت تبدو حسب طريقة جلوسها أنها لاعبة بهلوان على ما يشبه الأرجوحة نوعا ما, وما أكد لها ذلك هو عنوان الكتاب المكتوب بالخط العريض الصريح "سيرك الليل",ليس هاذا هو سبب رفض الأخت لاعراته محبوبها, ورغم حججها الواهية, التي تنتهي دائما بالصراخ أو النهر العنيف, الا ان الجميع يعرف احتكارها للأشياء التي تمتلكها,بعبارة صريحة أوضح,لم تكن سارة تحبذ اعارة أشيائها, وان كانت فائقة الكرم في نشر الهدايا والنصائح على أفراد عائلتها,لكن حالما يتعلق الأمر بكتاب,عقد باهظ أخاذ, او ربما حذاء شفاف مرقع بما يشبه الأحجار الكريمة,لكنها مخشوشة على  اي حال,فلن تقبل أبدا ان يلمس شيء منها ولو كان في سبيل التحسس لا أكثر,تكتفي بالتباهي والقهقة,وابداء بعض من الغرور والاستعلاء.
عندما قرأت "نور" عنوان الكتاب,ظنت أن في الأمر بعض من الغموض الجارح,خصوصا وأن كلمة "الليل"المكتوبة بعنوان الكتاب كانت تبدو نوعا ما غير لائقة ,لكنها نفت ذلك عندما فكرت في الامر جليا,خصوصا وأن أختها لن تقبل بشراء كتاب يحوي أفكارا خادشة,صارخة,او ربما مثيرة لو كان القارئ رجلا.

ومرت عدة زيارات, وكانت أختها تحضر بجبعتها الكتاب مرارا,مما تسلل في نفسها بعض من اللهفة,على الأقل للاستطلاع على محتواه,خصوصا وأنها ,-وان لم تكن من عشاق القراءة-,فهي محبة للقراءة على أي حال.

بدأ حرص سارة في دس الكتاب واخفائه عن الأنظار, او ابقائه تحت عناية شديدة, تجلسه بجوارها وتضجعه في مضجعها عند نومها يتلاشى تدريجيا, حتى أصبحت تضعه في أي مكان غير مكتثرة عنه,فالذي تأمنه  ان ايجاده سيكون أمرا سهلا عليها عندما تحتاجه فقط,متناسية بذلك أختها الفضولية- والتي ليست بالضرورة فضولها هو الدافع الوحيد لرغبتها في قراءة الكتاب- المتلهفة لمعرفة محتويات الكتاب العجيب تترقب الفرصة لتخطفه حين تسمح الفرصة.

هاهي ذي تجلس فوق سرير أختها السابق,قبل ان تتزوج بمحبوبها تاركة اياه في حالة يرثى له,واضعة الكتاب على حجرهافي حين أن أذنيها تتحسسان بين الفينة والأخرى خطوات ناقوس الخطر,لكنها انتظرت الجميع ,انتظرت انشغالهم , بين النائم والمجتهد والعامل, وماهي الا دقائق حتى كشفت الستار القابع وراء الغلاف الفريد من نوعه, والذي تحسسته قبل ذلك معجبة بجودته العالية,متسائلة من أي رف قد أخذ هاذا العمل المتقن,مندهشة بثقل وزنه,فهي لم تحمل كتابا أثقل من قبل غير صحيح البخاري وبعض كتب ابن الكثير والحديث الضعيف, ورغم كل ذلك لم تقرأ رواية من قبل سوى من الحاسوب بعدما أحرقت عينيها بسبب الضوء الأبيض الساطع بالكامل, لكن  هاذا الكتاب ليس بكتاب التفسير ولا ملف ضخم ساخط على الأعين بل انه ,رواية,ورقية,هذه تجربة فريدة,وربما مثيرة في حالتها هذه,لأنها تحمله خلسة عن الأنظار.
وماهي الا ثواني حتى تحسست جودة الأوراق البنية,أعطت نوعا من الاحساس الكلاسيكي للكتاب, وهذه ليست سوى خدعة من خدع المطبعة كي تزيد من حماسة القراء لا أكثر,فتبحر في ثنايا القصة,لم تتوقع ان تجد عنصر السحر والسحرة فيها, وماذا عن الحب؟ قبلة لطيفة تحت أمطار رقيقة ونسمات هواء تداعب بشرة العاشقين,مأساة فتاة عانت من التعنيف الفظيع من قبل والدها لمطالبه شخصية؟
شاب ذكي, ربما الشاب الذي قد تعجب به لو كان حاضرا على أرض الواقع,معجبة هي  بتسلسل الأحداث,وكيف يمكن للكاتب أن يضيف شخصيات في كل مرة يظن القارئ انه أدرك أخيرا مجريات الرواية, الا انه يصدم بتدفق الأحداث والشخصيات الجديدة التي تزيد من الوضع ارباكا, ولكنها تعطي احساسا جميلا,هاذا ما يمنحه لك الكتاب,مهربا جديدا لتنسى مؤقتا ما يحدث لك, تنسى بطبيعة الحال الضغوط والمشاغل,و حلقة الروتين الفظيعة,تجعلك تشعر بالحنين,للاشتياق,هاذا مالم تفهمه"نور" لمن تشتاق بالتحديد وهي تقرأ أسطر الفتاة التي انسابت تلقائيا في التحدث مع محبوبها,شعور مزعج ينتابها عندما تقرأ عن التي فقدت والدها بسبب خدعة سحرية لم تجر كما خطط لها,أحاسيس مؤقتة تختفي بمجرد الانتقال الى الحدث الثاني,سيرك وأضواء أخاذة وأشعة شمس تنسدل داخل نسيج قماش خيام السيرك,طعام فاخر وملابس تبدو من وصف الكاتب الدقيق لها غاية في الروعة, 

- أهاذا ما كانت تخفيه عني أختي؟ متعة لا توصف رغم أنني قرأت روايات عدة من قبل,لكن هذه حتما ليست بالسوء الذي تصورته
تمتمت نور بتلك الكلمات مخاطبة نفسها قبل أن تطبق كفيها على الكتاب تاركة اياه مكانه لتبحث عنه فيما بعد على حاسوبها القديم.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق