ميلاد ميت

ميلاد ميت

رجاء محمد

رجاء محمد

بتاريخ نشرت
بداية أسبوع جديد... الطلاب في مدارسهم و الموظفون على مكاتبهم؛ ربات البيوت بين السوق و المطبخ؛ ضجة الشوارع و عرقلة المرور؛ دوران الأرض... باختصار كل دلائل استمرارية الحياة!
لم يكن هذا رأي الجميع، فهناك من انتهت صلاحية الحياة بالنسبة إليه...
في مكان ما من هذا العالم؛ في عمارة بحي سكني و تحديداً في غرفته المنعزلة؛ كان "سعيد" مستلقيا على سريره وسط أرشيف صوره الفوتوغرافية؛ تلك اللقطات التي استطاع اختلاسها من شريط حياته في السنين التي عاشها؛
شاب ثلاثيني نحيل؛ ذو شعر فحمي كثيف ماعدا شعيرات بيضاء؛ وجهه حنطيّ منمنم، حالته الاجتماعية... أعزب و عاطل؛ وحيد والديه المتقاعدين، مستواه التعليمي... خريج كلية العلوم قسم الرياضيات التطبيقية، رأس ماله في الحياة... أبوه و أمه؛ شهاداته و صحبة أصدقاء.
بعينين مجهدتين لم تذق النوم؛ ظل يراقب دوران عقارب الساعة؛ كان الوقت يمضي ببطء و كأنه يتعاطف معه... على هذه الحالة منذ مساء البارحة؛ علق ذهنه عند مشهده مع الدكتور، أعاده عوض المرة عشرين أملا في أن يكون قد أساء الفهم؛ لكن ذلك لم يزده إلا ألما!... 
( في مثل هذه الحالات نحن مجبرون على مصارحة المريض... سيشاركنا كافة المسؤولية؛ مع الأسف نحن بصدد مواجهة سرطان الدّم...
سيد "سعيد" أعلم كمّ و نوع الأسئلة التي يطرحها عقلك في هذه اللحظات بالذات: كم بقي لي؟ هل سأموت؟ ماذا عن...؟ دعني أجبك: نعم... ستموت؛ كلنا سنموت أساسا! لا أظنها معلومة جديدة عليك... متى؟ الله أعلم. لن أهوّن عليك بعبارات التعازي فأنت لست بوضع يدعو للشفقة؛ بالعكس أنت محظوظ!
اعتبرها إشارة من الرحمن... كي تتدارك نفسك و تكفّر عن أعمالك قبل أن تنتقل إلى رحمته؛ أو إنذار من الحياة... كي تحس بقيمتها و تبدأ بتحقيق أحلامك المتراكمة على قوائم الانتظار، إن شئت أيضاً اعتبر أنك لعبت مباراة انتهى شوطاها و أمامك الوقت بدل الضائع؛ الفرق أنك تجهل فقط كم حدد لك الحكم؛ هل ستنهي المباراة لصالحك؟
كان من الممكن أن لا تعرف بمرضك أو لا تمرض أصلاً؛ أن يتوقف قلبك بدون سبب، أن تنام فلا تستيقظ و تفارق الدنيا دون علمك... الدنيا تأخذ منك الإذن للرحيل؛ هي لا تفعل ذلك مع الجميع فاغتنم هذه الفرصة! كن قويا؛ إن لم يكن من أجلك فمن أجل الذين يحبونك و تحبهم، قد يبدو الأمر صعبا عليك لكنه أصعب عليهم بكثير.
لن أدخل في تفاصيل العلاج الآن، سأدعك مع نفسك تستوعب الوضع الجديد؛ طبعاً لابد أن تعرف أن عامل الوقت مهم جداً لكن إرادتك و رغبتك في الشفاء أهم بكثير! لذلك ها هو رقمي اتصل بي متى وجدت نفسك مستعداً، و لا داعي لتذكيرك أنه كلما كان ذلك أبكر كلما كانت النتائج أحسن)
انتفض من سريره كمن رأى كابوسا في منامه؛ مع أنه لم ينم أصلا حتى يحلم... راح يجول في غرفته بخطا متثاقلة؛ وقف أمام الرزنامة التي كانت مثبتة عند تاريخ قديم، راح يقتلع الأيام كي يصل إلى تاريخ اليوم؛ لمح كمّ الأوراق التي ارتمت تحت قدميه... كيف مرّت كل هذه الشهور و لم ينتبه؟ كيف سمح بذلك؟
خلع ورقة اليوم الجاري لتقابله كتابة عريضة بخط يده "يومي"...! إنه يوم عرض مشروعه على شركة كبرى؛ كانت قد وافقت على فكرته مبدئيا و حددت له هذا الموعد...
كم ظل منتظرا هذا اليوم بفارغ الصبر؛ لكنه فقد هذه اللذة... أمر متوقع بعد كل ما عايشه!
كان ذلك قبل أن يحرم من منصب الأستاذ و رئيس القسم و يعين مكانه ابن العميد، و قبل أن يلغى تنفيذ مشروعه لعجز في الميزانية و ينتهي به المطاف إلى تحويل للتحقيق و فصل نهائي بسبب الاحتجاج و إثارة الشغب.
أمضى شهورا بعدها بين المؤسسات و الشركات بحثا عن وظيفة؛ تاركا في كل مرة سيرته الذاتية و رقم هاتفه لكن لم يتلقى ردا... و لم تكتف الحياة بكل هذا فحكمت عليه غيابيا بالمؤبد مع الأطباء و جلسات العلاج.
همّ بمغادرة الغرفة فاعترضه حائط بطولاته المتواضع، شهادة تقدير امتياز مع مرتبة الشرف للطالب "سعيد رمضان" الأول على دفعته كل سنة؛ وسام تكريم في دكتوراة في الرياضيات التطبيقية؛ إطارات صور له مع والديه و أصدقاء عمره... أهذا ما سيترك من حياته؟ حصيلة ثلاثين عاما معلقة على جدار؛ أقصى أبعادها متر في متر!
في مثل هذه الفترات العصيبة من حياته؛ كان دائما ينفرد بنفسه في مكانه المعتاد؛ على سطح عمارتهم... حيث يبدو كل شيء صغيرا من مكانه؛ وقف يفكر في حبكة ينهي بها آخر فصل من رواية حياته؛ جاء ليكتب النهاية و يعيشها... ليثبت أنه جاء الى هذه الدنيا في يوم من الأيام و لم يكن مجيئه سدا!
اليوم فقط أدرك حقيقة أنه ظل طوال عمره واقفا على بوابة الحياة، لم يتجرأ دخولها أبدا و اكتفى بالمراقبة من بعيد، ربما كان ينتظر أن تأذن له؛ لم يكن يعلم أن "الحياة تحب المستنفرين؛ و المستنفرون... بالحياة جديرون"
أكان هو غير جدير بها؛ ألم تعرف أنه لم يعشها بعد؛ أنه كان ينتظر أن يعيشها فحسب! ليس ذنبها... فرصيده عندها أوشك على النفاد!
تذكر كيف كانت أقصى معرفته بالموت هي أن يموت من الضحك... من الفرح... لا أكثر! تمنى أن يقابله بهذه الهيئة لكنه لم ينل الشرف، كل ما حصل أنه تنازل في كل موقف عن جزء من روحه حتى صار ميتا مع وقف التنفيذ.
تيقن أخيرا أن المرض لن يكون سببا في موته ببساطة لأنه مات قبله بكثير؛ بل ولد بفضله من جديد و عاد إلى مضمار الحياة بعد طول غياب!
مر أسبوع كالشهر، حاول فيه "سعيد" سد ثغرات حياته قدر الإمكان؛ سلم مشروعه و تعاقد مقابل مبلغ مالي معتبر؛ افتتح به وديعة تحت تصرف والديه... قدم كل دراساته و أبحاثه الى مكتبة الجامعة كي ينتفع بها غيره... و قضى أوقات لا بأس بها مع أهله و أصدقائه.
ماشيا في طريق العودة، لم ير هنالك داع لتأخير العلاج... أخرج الموبايل من جيبه ليهاتف الدكتور؛ تفاجأ بمكالمته الصادرة فردّ فوراً:
- ألو!
- السيد سعيد؟
- نعم؛ تفضل دكتور! 
- أرجو المعذرة... لقد حدث خطأ في البيانات و اختلطت نتائجك مع مريض آخر. 
- أتعني... لست مريضا، أليس كذلك؟!
- نعم... نعم! أنت على ما يرام و صحّتك جيدة... أكرر أسفي.
أغلق الخط محاولا استيعاب ما قيل... دموع و ضحكات هستيرية؛ راح يركض طائرا؛ لم يشعر بهذه السعادة من قبل... فتح ذراعيه و أغمض عينيه؛ صرخ بأعلى صوته: " شكراً يا اللّه... شكراً! " و ليكتمل المشهد؛ بدأ المطر يتساقط... زاد حماسه فزادت سرعة ركضه قليلا.
و بدون سابق إنذار؛ عاكسته سيارة قادمة من بعيد، اصطدم بها فارتمى جسده أرضا؛ نظر إلى السماء بابتسامة رضاً لافظا آخر أنفاسه... كما تمنّى؛ مات "سعيد" من السعادة.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق