كلمة تدفع ألما و كلمة تصنع أملا

كلمة تدفع ألما و كلمة تصنع أملا

رياض فالحي

رياض فالحي

بتاريخ نشرت

الساعة تشير إلى الثانية صباحا ، كنت على الهاتف مع أحد أقاربي في قطر ، أطمئن عليه ، كانت أمه تتصل منذ يومين على رقمي ، طالبة مني أن أجده لها ، في البداية كنت أقول لها بأن تطمئن فالغائب عذره معه لكن بدأت تتصل علي كل نصف ساعة ، فأغلقت الهاتف بالأمس و خلدت للنوم , ففي نهاية الأمر هذا لا يخصني ، فمن أعرفهم هناك مشغولون بحياتهم اليومية و لا يستطيعون أن يساعدو بشيء ، في الصباح حين فتحت الهاتف وجدت سيلا من الرسائل، فيبدو أنها لم تنم ، أعدت الإتصال بأصدقائي هناك و رجوتهم أن يبحثوا عنه أو يدلونا على طريقة لإيجاده أو حتى مجرد خبر عنه...

قبل أيام كنت في محطة سيارات الأجرة أنتظر شخصا ما و قد تأخر كثيرا فخشيت أن أغادر المحطة و يأتي فنختلف في الموعد ، قررت أن أشرب قهوة و أبقى في مكاني فمادام الحاسوب أمامي أستطيع أن أنجز بعض العمل بدون أن أبتعد، فجأة وجدت شابا على كرسي متحرك قبالتي ، يبدو أنه كان هناك منذ مدة ولم أنتبه له، فكان ينظر للمارة بتحسر ولسان حاله يقول لو كنت أمشي مثلهم، ما شد إنتباهي هو ضخامة عصلات يديه لكنه غارق في القذارة و لباسه رث فيبدو أن لا أحد يهتم به ، قمت بطي الحاسوب و بادرته بالسلام ، ثم أثنيت على قوة عضلات يده رغم فقدانه لساقيه ، و أخبرته أنه يمكنه أن يتدرب ليشارك في مسابقات السرعة على الكرسي المتحرك كما أن لديه الحق في الرعاية الصحية و العناية فحامل بطاقة الإعاقة يتمتع بعدة إمتيازات، أخبرني أنه لم يقرأ و لا أحد ينور له طريقه بمثل هذه المعلومات ، أعدت فتح الحاسوب المحمول من جديد وقمت بالبحث عن الجمعيات التي تعنى بالمعاقين ، ثم إستخرجت عدة أرقام ، ثم قمت بلإتصال على أول رقم و أخبرتهم بأن هناك حالة لشخص معاق سألتني من أي مكان هو، تركتها على الخط و سألته فأعطاني عنوانه ، ثم أمدتنا برقم فرع قريب من سكنه.فأعدت الإتصال بهم ، و نسقت بينهم ،فغادر يملؤه الأمل و شد على يدي مسلما بقبضته الحديدية فودعته و بقيت أنتظر الشخص الذي تواعدت معه على اللقاء.

هل صدفة؟

كنت مارا قبل ثلاث سنوات في الشارع حين إلتقيت بصالح فأخبرني بأنه يريد أن يغادر البلد بحثا عن دخل أكثر فما يجنيه هنا لا يكفيه حتى آخر الشهر فإن كنت أعرف طريقا للسفر هل يمكن أن أدله عليه، أخبرته بأنه عندي قريب في الدوحة يمكنني أن أسأله له ، و أرسلت له رسالة على الفيسبوك ، فقال له أنه هناك عمل بأجر غير عالي لكن أفضل من هنا، ثم أعطيته رقمه و ساعده في الخروج من البلد، اليوم جاء موعد رد الجميل فقد طلبت منه أن يبحث عنه ، و يخبرني عن أحواله فأمه قلقة عليه...منذ قليل إتصل و قال إنه وجده مريض في حال يرثى لها، و نقله لمنزله ، و غدا يمكننا أن نكلمه حتى يسترد عافيته ، الحمد لله ، أرسلت له رقم أهله ، فيجب أن أعود للنوم و أغلق هاتفي من جديد، فيمكن أن يكلم أمه على الساعة السادسة صباحا فيطمئن قلبها.

كلمة تصنع أملا و كلمة تدفع ألما:

قبل سويعات كنت أكلم بنات قريتي على الهاتف و قد إنتهين للتو من جني الزيتون ، هذا العمل الشاق ، حيث يبدؤون العمل في الصباح البارد حيث تتجمد الأصابع من الصقيع و يقرص البرد الأنف و الخدين فيؤلمهما ، ثم تشرق الشمس فتنشر دفئها على الأرض فيحلو القطاف و تتساقط حبات الزيتون على البساط البلاستيكي الذي يفرش تحت الشجرة فيصدر صوت تساقطها رنة خاصة ، لكن تتعب الأكتاف و الأيادي الناعمة للبنات ، فرغم دراستهن الجامعية و حلم العمل في إحدى الشركات أو معلمة أو أستاذة و غيرها من المهن و أمام تزايد البطالة لا يجدن من حل سوى العمل في الحقول لمساعدة عائلاتهن و تجهيز أنفسهن من أجل الزواج...اليوم آخر يوم في القطاف، ذهب التعب و بقيت الذكريات و أغاني الصبايا، إتصلت من العاصمة أسأل عن الأحوال ، فكلمنني ، هذه تريد قماشا من نوع كذا و الأخرى مفارش و هذه قطعة ذهب، سجلن ما تردن حتى لا أنسى الأولوية لمن ستتزوج هذا الصيف، طوبى لكم الحياة بسيطة و الزواج سهل ، لا غراميات معقدة، حياة بسيطة كلها كد و عمل ، في الشتاء و الربيع عمل و في الصيف أفراح و أتراح.أعرفهن جميعا من أصواتهن ، الفرح يملء قلوبهن ، أسرت لي إحداهن بأن فلانا يريد أن يأتي لخطبتها، لذلك علي أن أعود قريبا ، و متى كبرت حتى يخطبونك ؟   عمري 18 سنة، كما أننا لسنا مستعجلين على الزواج، حتى تتزوج أختي الأكبر مني و أساعد في زواج أخي هذه السنة   .إنتظري حتى آتي و أدق عظامه   و بعد ذلك إن بقي بخير فليإت لخطبتك فهمت الآن لماذا أهمل عمله ، أنت من ألهيته عنه .

المهم متى تعود لنا فقد إشتقنا لك، يجب أن تقضي بقية الشتاء بيننا و إجلب الكثير من الهدايا...


التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق