برد قارس و شاي دافئ

برد قارس و شاي دافئ

رياض فالحي

رياض فالحي

رضا يشعر بالرضا، بتاريخ نشرت

الشاي عندنا يطبخ إلى أن يصبح ثقيلا أو كثيفا لذلك يصب في كؤوس صغيرة ويشرب على التوالي كل عشر دقائق مرة ، فالأول يكون مركزا و الثاني أخف و الثالث خفيف و الرابع تقريبا مثل شاي لبتون الذي يأتي في أكياس صغيرة. أما الحشيشة أو أوراق الشاي فهناك الخضراء أو الحمراء ، أهل الجنوب يشربون الشاي الأخضر و نحن نشرب الشاي الأحمر و في الشمال يشربون الأخضر ، أما إذا خلطت نصف كأس شاي أخضر و نصف أحمر فنسميه panaché ، الشاي يحلي السهرات الشتوية الطويلة و يحلو به السمر حول الكانون ، ليس شهر كانون الأول أو الثاني بل الموقد المصنوع من الفخار و الذي يملأ بالجمر فينشر الدفء و تتحلق حوله العائلة كل يحاول أن يدفء يديه حتى ينتشر الدفء في جسده

، اليوم صباحا ، الطقس دافئ و مشمس بعد أن كانت تمطر منذ أيام .

الماء هنا متوفر بكثرة لذلك الأرض تبدو خصبة ففي إحدى سنوات دراستي كنت أستأجر منزلا فيه باحة كبيرة أنا و جمال.ر ، فقررنا تلك السنة أن نزرع الفول في الحديقة فإشترينا نصف كيلوغرام من البذور وزرعناها وقد نبت كله وفي موسم نضجه كان منزلنا مقصدا للطلبة من أجل أخذ كيس من الفول ، جمال الآن مهندس زراعي و رئيس نيابة خصوصية أي رئيس بلدية وقتيا حتى تتم الإنتخابات البلدية في شهر ماي من هذه السنة كما أنه يلقي محاضرات حول الزراعة بدون تربة و غرف إستنبات الشعير و غيرها من التقنيات الفلاحية، كما أنه ناشط سياسي لا تلين عريكته و عنيد جدا...في الإنتخابات البلدية القادمة وهي أول إنتخابات ستحدث بصفة ديمقراطية يعول الجميع عليها فالبلدية هي الحكومة المحلية وهي أصغر نواة لممارسة الحكم ، فالنظام السابق وبعد هروب رأسه للسعودية بقي متمركزا في الإدارات و الوزارات لذلك لم يستطع أحد أن يمرر أي إصلاحات كما بقي كلاعب رئيسي في المسار الديمقراطي فلا يمكن الإستغناء عنه و لا إجتثاثه لذلك الحل الوحيد يكمن في اللعبة طويلة الأمد من خلال البلديات ثم التوغل نوح المركز تماما كما فعل حزب العدالة و التنمية في تركيا فقد بدأ أردغان في بلدية إسطنبول فتمرس على الحكم المحلي ومكائد العسكر ثم مر إلى رئاسة الوزراء في لعبة دامت أكثر من عشرين سنة كادت تنتهي في الإنقلاب العسكري الفارط ...من يملك طول النفس في عصرنا هذا وهل تنفع الممارسة الديمقراطية في عالمنا العربي؟!

اليوم صباحا كان الطقس صحوا، أعجبتني هذه الأزهار الجميلة ، فمنظرها يشرح الصدر و يريح النفس.

أنجزت بعض الأعمال ثم بعد الغداء ذهبت لإتمام معاملة إدارية، الأشخاص الجالسين سمحوا لي بأن أذهب قبلهم وهو ما لم يعجب الموظف فقال بأنه يجب أن أحترم من قبلي لكنني أخبرته أنهم قالو لي تفضل قبلنا ، فيبدو أنهم غير مستعجلين أو لم يعرف أحدهم من جاء قبل الآخر ، لكن لا يهم فالمعاملة تتطلب دقيقة على الأكثر فهو سيقوم بالتثبت من الأوراق وإعطائي وصل إستلام و ينتهي الأمر ، لكنه حرن لذلك أخبرته أن الأمر لا يهم فمن الأفضل أن ينجز المعاملة بسرعة حتى يتخلص من شخص في إدارته ، فكل من يأخذ أوراقه سيرتاح من وجهه، فأخذ الأوراق ثم تثبت منهم وسلمني وصلا فيه التاريخ و رقم المعاملة، ثم كشر في وجهي ، فشكرته ومضيت في حال سبيلي فقد إنتهى الأمر بسرعة ، لكنه سيكرر نفس الإجراء عشرات المرات في اليوم وفي الشهر ثم في السنة لسنين ممتالية ، الميري أو الوظيفة حلوة من ناحية الإستقرار والراتب و المكانة الإجتماعية ، فهو في نهاية الأمر موظف لدى الحكومة و إذا ذهب للبنك سيقرضونه بضمان عمله، بينما العمل الحر من تجارة و خدمات و مهن مثل الطب و المحاماة و الترجمة و غيرها ، كل نهار وقسمته ففترة تكون عمل متواصل وفترة ركود لكن متعتها في تنوع العمل و رزقك غير محسوب...لكن كله عمل فلا يوجد مال بدون تعب فحتى الكنوز يتطلب إيجادها تعب البحث و خطر تصريفها و من ترك له أهله تركة قد يبددها بسوء التصرف لذلك لا يوجد أحد مرتاح في هذه الدنيا إلا من رحم ربي و ملأ قلبه بالإيمان بالله و اليقين و عرف أن الذي يرزق الكير حين تخرج في الصباح خاوية البطون و تعود لأوكارها مساء ملئى سوف يرزقه هو و أن الرزق أنواع من طعام ومال وصحبة صالحة و أمن و أمان و دفء و أهل و علم و صحة جيدة فذلك هو اليقين...

عدت للمنزل باكرا ، فمنذ مدة كنت أتأخر في العودة لذلك شاهدت فلما على الحاسوب ثم نمت قليلا ، لكني شعرت ببرد قارس ، فكاد الشتاء ينتهي بدون أن يعلن عن نفسه فهاهو مارس على الأبواب معلنا عن حلول الربيع ، تغطيت جيدا ، ثم إستيقظت و أعددت شايا خفيفا و فتحت مجلة ناشيونال جيوغرافيك.

قبلها بسويعات كنت قد علمت طالبا كيف يقوم بتركيب شبكة بالكابل.

تذكرت بائع البيض المسلوق ، فلطفي يعمل في مصنع النسيج بأجر 150 دولار في الشهر لا تكمل له عشرين يوما ، ذات ليلة قرر أن يفتتح مشروعا صغيرا وهو بيع البيض المسلوق ، هناك بيض ناضح و الآخر يوضع لمدة ثلاث دقائق في الماء الساخن فيصبح متخثرا تقول الأسطورة أنه ينفع لتسريح الحبال الصوتية و تقوية العضلات لذلك يشتريه الرياضيون و شاربي الخمر و سواق التاكسي و رجال الشرطة و غيرهم ممن يبحث عن شيء دافئ يسد الرمق ورخيص السعر ، لذلك تمركز في مفترق طرقات قرب نزل إبن خلدون بعربته ، في الليلة الأولى حصل ربع أجره الشهري في المصنع فقرر أن يتغيب و يواصل البيع ،بقي تقريبا أسبوع و أصبح لديه زبائن من سواق سيارات التاكسي الذين يعملون بالليل فهو يبيع ساندوتشات بالبيض و الجبن و البصل و التونة...في اليوم العاشر أخذته دورية شرطة وبات ليلته في سجن الإيقاف فقد إشتكاه صاحب مطعم لذلك أوقفوه بتهمة الإنتصاب الفوضوي و عدم إمتلاك رخصة فعاد لعمله اليومي في المصنع لكن السؤال الذي يحيره لماذا هناك آخرون ينتصبون وهو لم يسمحوا له بالإنتصاب؟

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق