من أجل مزيد من القهوة

من أجل مزيد من القهوة

رياض

رياض

بتاريخ نشرت

كنت عائدا للمنزل من مدينة أخرى بعد أن قابلت أحد أصدقائي و جلبت بعض المجلات التي تعودت على قرائتها مثل الصين اليوم.

و ناششيونال جيوغرافيك العربية و العربي 

قبلها كنت أنتظر رجلا ستينيا في المقهى ، ظننت أنه سيأتي مبكرا لكنه كل مرة يقول أنه سيتأخر قليلا.

لذلك إتصلت بالشخص الثاني من أجل موعد آخر ثم غيرت المكان إلى مقهى آخر إسمه la fabrica أي المصنع ، ديكورها يحتوي على أجزاء محركات و عجلات مسننة ، أما الطاولات فهي مرتفعة و صلبة كأنها طاولات عمل مما تستعمل في المشاغل و هو أول ما لاحظه جليسي ، الذي جاء مرتديا جبة وهي رداء يشبه الجلباب أو القميص الخليجي ،فهو لا يهتم بالمظاهر ، لكنه كان مقاول أشغال عامة متقاعد ، هؤلاء الناس لا تربح منهم المال لكن شبكة علاقاتهم متشعبة و خبرتهم العملية كبيرة جدا فقد ساهم في تمرير خط أنابيب النفط في ليبيا و في كازاخستان و عمل في أمريكا ، كما بنى عدة مؤسسات في البلاد من معاهد و جامعات و عمل فترة في وضع كاسرات الأمواج على بعض الشواطئ ، ثم ذهب للعمل في مالي حيث ترك أحد شركائه ليدير الشركة ، و الآن متقاعد عن العمل ، كنت قد تعاملت معه مرة بعد أن أنجزت موقعا لشركة تبيع الأحذية فطلبوا مني أن أدلهم على مقاول بناء لكي يقوموا بإعادة تهيئة محلهم .بدأ الحديث مباشرة عن المناورة السياسية التي يقوم بها الشيخ العجوز رئيس الدولة من خلال تمرير قانون المساواة في الميراث الذي يعرف أنه تغيير لما ورد في القرآن و ثابت من ثوابت هوية الشعب ، فالرئيس يريد أن يبين للمسؤول الكبير الذي يتحدث عنه أحيانا ، أي أن هناك سلطة خفية أقوى منه و هو يقصد سفارات الدول الغربية أنه يمثل مصالحهم أحسن تمثيل ، ثم تشعب الحديث لليرة التركية التي تشهد حربا شعواء من أمريكا ، لكن ترامب غبي فأمريكا عادة لا تفتح عدة جبهات في آن معا ، فإن توحدت روسيا و تركيا و إيران الذين يملكون حدود مشتركة و يعانون من الحصار الأمريكي فسيكسرونه حتما...أريد المرور بالحديث للهدف من لقائنا ، لذلك حدثته عن خطأ يقوم بإرتكابه مقاول مبتدإ فقد أخذ أربع مشاريع في نفس الوقت بدون أن تكون له تغطية نقدية لدفع مستحقات العمال و غرق في مشكل الشيكات المرتجعة أو الشيكات بدون رصيد و الآن كل أعماله متوقفة.فبدأ الحديث عن أسس الإدارة السليمة كما أنه كان عليه أن يشرك معه شركاء أقوياء فينخفض هامش ربحه لكن يبقى صامدا فالأصل الإستمرار في العمل.ثم تحدثنا قليلا عن الشغل وودعته .في طريق العودة ركبت النقل الجماعي ، صعد معي شاب قال إن لديه دراجة عند محل تصليح الدراجات و هو ذاهب لجلبها ، و ثلاث بنات  أبوهن تاجر سيارات أعرفه ،كنيته قارون ففي حفل زفاف أخته قام بترصيف المال على جسدها، ثم عمل مرابي لفترة ، بعد ذلك حرص على إدخال أبنائه و بناته في وظائف فهو يعتقد أن ماله حرام و سوف يموت فقيرا فيحاول جاهدا أن يضمن مستقبلهن ، أذكر مرة في صلاة الجمعة كان الإمام يخطب عن الربا و المرابين ، فخرج و قال أعرف مصيري ...بمجرد نزولي من السيارة ناداني جاري الذي كان يساوم طفلا صغيرا من أجل أن يبيع له كيلوغرامين من الطماطم بدينار عوض دينار و نصف و الطفل يضحك قائلا أن رأس ماله دينار و ربع فسيخسر حتما وهو يقول له ساعدني فأنا صاحب أسرة ، فقد رزق ببنت قبل يومين .

جلست في السيارة أنتظره ، ثم مر سيف وهو يعمل في الجيش فقال أوصلوني معكم فساقه مكسورة ، ومعه محمد وهو عامل بالخارج ، فقال الجار أريد أن أشتري قليلا من اللحم المشوي من أجل زوجتي، فنزلت معه عند محل الشواء ، وقلت لمحمد أن يوصل سيف لمنزله القريب ثم يعود لكي نرجع مع بعضنا ، فإستأذن سيف لكي يشتري لحما و دخل .بقيت أشاهد الشواء و المباني الجديدة.

وحين أراد الجار أن يدفع قال له صاحب المحل أن صديقنا صاحب الساق الملفوفة بالجبس قد ترك خمسين دينارا. قلت له ذلك حلوان البنت، فأصر أن يكلمه و طلب مني رقمه ، فإتصل عليه لكنه لم يجبه، قلت له لا تحاول معه...

في الطريق كنا نتحدث عن المصاريف و غلاء المعيشة ، محمد يبدو قلقا فقد مرت إجازته ذات الخمسة عشر يوما بسرعة ، يعود يوم الأحد لفرنسا ، يمكنه أن يتدارك الأمر و يذهب للتمتع قليلا بالبحر...تذكرت قصيدة للشاعر جعفر ماجد تقول :

إلعب بالرمل ولا تتعب 

فقريبا تكبر يا ولدي 

و يجيئ الصيف و لا تلعب

....قبلها بأيام هطل مطر غزير كاد أن يجرف الأخضر و اليابس ، كنت أتطلع للسقف و تذكرت تلك القصيدة لميخائيل نعيمة :

سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر

كنت سأكتب يومية لكن المطر إشتد و خفت من غضب الطبيعة.


الحرارة قبلها بأيام جفت السدود بسبب موجة الحرارة .

كنت مارا أمام محل يبيع الأبواب و النوافذ المستعملة فكلمت الهاشمي ، فهو منذ أكثر من سنة يسألني إن كان بإستطاعتي أن أجد له أبوابا و نوافذ مستعملة ، فقد وجدت صدفة لأخيه أبوابا ، فهم يبنون مساكن لن يسكنوها في بني خداش  على الحدود مع ليبيا ، فكلهم يعملون في محلات بيع الفواكه الجافة و الفطائر ، التي يرثونها أبا عن جد و ينتشرون في كل مدن البلاد ، فمن يستطيع أن يمكث في محل عرضه مترين و طوله ثلاث أو أربع أمتار صباحا مساء لسنوات غيرهم.

صورتها له ثم أرسلتها بالفيسبوك ، و أعطيته رقم البائع فإتفقا على باب رئيسي و خمسة أبواب داخلية و نوافذ ، ثم كلم أحد أبناء عمومته لكي يأتي و يجلب المال و يرسلهم فهو قريب من هنا،و لما أردت أن أغادر كرمش لي البائع ورقة نقدية و وضعها عنوة في جيبي بعد أن أقسم بأغلظ الإيمان أن لا أردها...و تمضي الحياة

التعليقات

  • طارق ناصر

    عادة ما تأتي المجلات التي تتوفر في الجزائر (خاصة مجلات العربي) من تونس، يبدو أنكم بلد غني بالمجلات، هنيئا لكم.
    يبدو أن السحب التي شاهدتها اليوم أثناء رحلتي للبحر هي آتية منكم.. ننتظر بعض الأمطار لعلنا ننعم براحة من هذا الحر القوي.
    يوميتك ممتعة كالعادة، متابع وفي لك.
    1

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق