الواقع يقول بأن المال قبل الأخلاق

الواقع يقول بأن المال قبل الأخلاق

رياض

رياض

بتاريخ نشرت

أعرف الكثير حين تسألهم كيف يقومون بتقييم الإنسان فيقولون بأن الأخلاق هي الكل لكن حين يصطدمون بالواقع يميلون نحو أصحاب المال مهما كان مصدره ومهما كانت أخلاقه ...قبل أيام ذهبت لمقابلة رجل سكن عندي ثلاث سنوات كان رئيس مركز شرطة في الشرطة السياحية وقتها متخرج من الأكادمية العسكرية وبرتبة ملازم أول في أحد الأيام قام بتوقيف فتاة أهلها متنفذين ورفض أي تدخلات لإخراجها أتحدث عن سنة 1996 فتم عزله من عمله ،كان على أبواب الزواج فتركته خطيبته ،أما أباه فقد كان قد إشترى له شاحنة لنقل مواد البناء فقد شغله عنده مجرد عامل ،بقي لسنوات في المنزل بدون عمل ثم ذهب لجزيرة جربة يعمل في إصلاح الأحذية إسكافي ،تنكر له كل من يعرفه ففي عهد بن علي كان محرد السلام على شخص مغضوب عليه يسبب لك المتاعب ،عمل لسنوات كإسكافي ثم جاء للعاصمة وقتها لدي منزل في حي شعبي إسمه الكبارية معروف كحي جريمة لكنه حي عادي جدا ،جاء أول يوم في رمضان ،كنت معروفا في ذلك الحي كأستاذ إنجليزية ومنزلي معروف بمنزل الأساتذة فقد كنت أقدم دروس دعم لابناء الحي ،لا اعلم كيف إهتدى إلي ،لكن جاء بعض ابناء الحي وقالو بأن هناك رجل أربعيني يسأل عنك في المقهى المجاور ،قال بأنه يريد أن يفطر في رمضان فقد إنقطعت به السبل ونحن من نفس البلد ،رحبت به ولم أسأله كثيرا فقد نام إلى وقت الغروب ،بقي ثلاثة أيام على تلك الحال ينام طيلة النهار ،يستيقظ وقت الفطور ثم يعود للنوم ،اليوم الثالث ناديته بعد الفطور،قلت له واجب الضيافة في الحضر يوم واحد و في البادية ثلاثة أيام ،لكن بما أن الحال رمضان فيمكنه أن يفطر معنا إلى آخر الشهر لكن فليحدثني عن قصته فقد إستعلمت عنه وقيل لي بأنه شرطي مكسور الرتبة وقد يكون من الشرطة السرية أو المخابرات ،فلا تدري عن الشر خاصة في زمن ما قبل الثورة وقتها كان النظام يكتم أنفاس الناس بقبضة حديدية ،أخبرني بأنه منذ سنوات يعمل إسكافيا في جزيرة جربة ويريد أن يجد عملا في العاصمة وسمع بأنني اتواجد هناك و أقدم يد المساعدة لمن يحتاج من أبناء البلد فقصدني ...بما أنه خريج الأكادمية العسكرية فقد درس سنتين تحضيري بعد الباكالوريا ومستواه العلمي جيد قلت له سترسم كممرض لسنتين وفي نفس الوقت سأجد لك عملا كحارس ليلي ،عندي قريب متقاعد الآن كانت لديه شركة حراسة وجد له شركة تأمين يحرسها في الليل فيغلق على نفسه الباب و ينام ،المهم أن يكون هناك شخص في الداخل بأجر 450 دينار يدفع منها 300 دينار للجامعة الخاصة و البقية مصروفه كطالب ،أما الإجار فهو معفى منه ،أكمل السنتين و تخرج الأول على دفعته فتم تعيينه ممرضا ومازال هذا القطاع في تونس يطلب ممرضين لذلك دائما أنصح من بقي بدون عمل من أصدقائي أن يدرس تمريض(نصحت أختي الصغيرة قبل أيام أرجو أن تسمع كلامي لأنها تكمل ماجستير،كذلك إحدى الطالبات التي تخرجت هذا الأسبوع ) أظن الآن أصبح ثلاث سنوات .حين تم تعيينه إنتقل للسكن قرب المستشفى ثم دارت الأيام وسقط نظام بن علي فتم رد الإعتبار لكل من تعرض لمظلمة وإسترد وظيفته مع كل الرتب التي فاتته فعاد برتبة نقيب (ثلاث نجوم) لكن حسب حديثه في مستشفى الداخلية،زوجته هي أخت أستاذ تاريخ درسني كنيته "مدن دويلات" وقتها ندرس عن إسبرطة و اليونان في عهد الإغريق طريقة التدريس بالتلقين فعلينا حفظ فقرة كل درس ،أحد التلاميذ لم يستط تذكر الفقرة فبدأ يكرر مدن دويلات مدن دويلات ،يومها رماه الأستاذ بالكراسة لكن التلاميذ ألصقوا الكنية بالأستاذ ...أنا أعمل بظواهر الأمور فهناك من يقول بأنه كان يمارس عمله لكن مرت علينا أيام صعبة جدا وتعرض للإهانة عدة مرات أمامي،لديه ثلاث أبناء،حين تلتقيه متواضع جدا ويكرهه زملائه لأنه غير خاضع للرشوة وصعب جدا في العمل ...قبل أيام إلقيت به،أردت أن أطلب منه طلبا يخصني لكن عدلت عن ذلك فقد يكون من قبيل المن ،شربنا قهوة و بقينا نتحدث ،جائته مكالمة بأن أباه يمر بوعكة ،قال بأن الاب مصاب بسرطان وهو على فراش الموت ...سردت هذه القصة لأبين أن الناس لا ينظرون لأخلاقك وقيمك إذا لم تكن تملك المال حتى ولو كنت متدينا و حسن السلوك فالمال هو كل شيء في مجتمعنا و الآباء و النساء يفضلن الرجل صاحب المال مهما كانت قيمه و لم أشاهد مسلمة تزوجت رجلا فقيرا و أعجب أهلها دينه كإستجابة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جائكم من ترضون دينه فزوجوه ،فمجتمعنا الحالي مجتمع مبني أساسا على المظاهر المادية ،أتحدث عما شاهدته في بلدي و المجتمع الذي عشت فيه ،لكن ما يؤلم أن المرأة الأوروبية تقبل الرجل صاحب المبادئ مهما كانت حالته المادية لأنني سأحدثكم لاحقا عن زيجات النساء الأوروبيات بشبابنا في المنفى لحسن أخلاقهم فقط ولا غير...كما أن الحياة تمنحك فرصة ثانية وثالثة ورابعة فلا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس...

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق