ثرثرة لا تهم أحد

ثرثرة لا تهم أحد

واحد

واحد

بتاريخ نشرت

 ككل يوم يمر ، لا جديد في الحياة عموما ، ولا جديد على المستوى الشخصي ، اقابل نفس الوجوه ، نجلس جميعا متقابلين بلا هدف او معنى ، نمضغ القات ونمضغ الاحاديث المتكررة بملل قاتل ، او على الأقل هذا ما أحس به ، ربما هناك فعلا من يستمتع بحياته ويستمتع بمجيئه لهذا المكان ، ولكني فقدت كل ذلك وأفتقدته بشدة.يراودني سؤال دائم يطل برأسه كأفعى من بين دخان الشيش والسجائر ، سؤال بسيط ولكني لا أجد له جوابا ، ماذا أفعل هنا ؟ ويكبر السؤال تدريجيا حتى يصبح كالتالي : ماذا نفعل هنا ؟ كلنا أقصد ، ويكبر السؤال أكثر ليصبح معضلة وجودية عصية على كل الفلاسفة ، ما الذي نفعله كبشر على هذا الكوكب ، وما الذي تفعله تلك الأجرام والكواكب.

الجدوى ، المعني ، نعم المعنى ، ماهو المعنى من كل شي ، لماذا نتنفس هذا الهواء ، لماذا نحرق ملايين الخلايا في كل ثانية ، لماذا تشرق الشمس منذ مليارات السنين لتودعنا بعد ساعات ، ربما كنت مريضا نفسيا أو هي مجرد أزمة متعلقة بالعمر، أو ربما كنت ذكيا أكثر من المطلوب ، الوعي سئ والذكاء سئ ، صدقوني هذه هي الحقيقة ، كلما تعلمت أكثر كلما شعرت بضآلة ما تعلمته ، بضآلة وتفاهة وجودك أصلا.

أتأمل في الوجوه أمامي وانا أفكر في اللاشئ فيفيقني صوت أحدهم قائلا : اقلب لنا يا اخي نشوف أخبار روسيا وأوكرانيا ؟

بصفتي المتحكم في الريموت كنترول أقلب لقناة الجزيرة وارى اللون الأحمر في كل مكان ، ذلك الأحمر الذي يستخدم ابان فترات الحروب والأزمات حين يكون هناك خبر جديد كل ثانية ، مزيف او حقيقي لا أحد يعرف، واسمع تعليقات وتحليلات مختلفة من الموجودين حول كل ما يظهر على الشاشة ، هم تائهون مثلي وأكثر ولكنهم يمثلون، يخسرون شعرهم وأسنانهم ونظرهم وهم يقاومون  هذا التيه، أما إذا كانوا فعلا يظنون أن لوجودهم أي أهمية فهم حمقى ، لا لا ليسوا حمقى ، ربما كان الواعين هم الحمقى ، ولكن لم طورت أدمغتنا هذا الوعي إن كان مؤلما لهذا الحد ، أو ربما كان هذا هو الثمن الذي يجب على الإنسان ان يدفعه لأنه خرج من البرية وقرر ان يقف على قدميه فقط ، هذا الثمن الذي ندفعه لأننا نتحدى الطبيعة ، ولكن لولا الوعي لما ظهرالفن والسحر والدين حتى.

 يظهر على الشريط الإخباري خبر يتعلق باليمن فينصت الجميع لدقيقة " اغتيال أحد ما في انفجار عبوة مفخخة في عدن "، يمسك صديقي الملقاط الحديدي مكسرا به حبات الفحم على الأرض وهو يوجه سؤالا بخصوص المقتول لأحد سكان عدن القدامى والذي يجلس معنا منذ سنوات، تنطفئ الكهرباء فيبعث منظر الجمر أمامي شعورا غريبا، لحظة عجيبة مليئة بالنشوة والاحساس ، لو كنت شاعرا لقلت بيتا في ذلك الجمر أمامي ، بل اني حاولت ذلك بصوت مسموع للجميع الجالسين في الظلام : " أرى الجمر محمرات كأنهم ، همهات بينات في ملاءة كلكل " ضحك البعض وانا مستمتع بالظلام ، تلك أجمل ساعاتي في المقيل ، ساعة غياب الكهرباء ، أخرجت تلفوني المحمول لأشغل أغنية، فيقول لي احدهم " ساعة آذان " ،لم أكن أسمع أي آذان ، ربما هم يصلون في الجامع المجاور، أحترم المؤمنين ولست منهم، أوقفت صوت الأغنية واستمتعت بآخر أنفاس سيجارتي بصمت.

سمعت كلمة " رمضان " ينطقها أحد الموجودين في موضوع ما، ذكرني أن رمضان صار قريبا وتفصلنا عنه أيام قليلة فإنقبض صدري فجأة ، أكره رمضان ولياليه واغانيه وصباحاته، أكره ذلك التغيير المفاجئ في حياة الجميع ، وأكره العيد أكثر ، وذلك الكسل عند الجميع ، أكره تلك الليالي التي تخلو فيها الشوارع من المارة منذ غروب الشمس، مازلت أذكر تلك المرة التي عدنا فيها من زيارة الأهل في العيد ، عدنا مبكرا للبيت وبصفتي الصبي الأكبر فقد أرسلوني ككل يوم لشراء الخبز " الروتي " من البقالة المجاورة ، خرجت فرأيت كل الدكاكين مقفلة والشارع يلفه صمت مهيب، كتلك الشوراع التي رأيتوها في مدن العالم الكبرى فترة إنتشار الوباء، كيف أرسلني والدي للخارج وقد رأي في طريق عودتنا كيف هو الشارع مقفل ، قلت ربما البقالة الأبعد مفتوحة فوجدتها مغلقة ثم امضي الى الأبعد ، حتى وصلت الى ميدان التحرير، عرفت اليوم ان المسافة التي مشيتها تتجاوز الكيلومترين، ولكن لا احد هنا، صبي في الثانية عشرة وحيد في قلب المدينة المؤمنة ، يالها من جملة شاعرية درامية ، لم اجد شيئا في النهاية فقررت العودة، مررت خطأ بجوار أحد مكبات النفايات فصرخت الكلاب فجأة بصوت واحد وبدأوا بالتجمع حولي ، لا أخفيكم انها كانت من أقسى اللحظات في حياتي، لا أذكر إني بكيت ، جريت بكل سرعة دون ان التفت ورائي ، سقطت مرات ومرات، ولم ينقذني أحد ، وصلت للمنزل فاستقبلتني أمي ذاهلة، ضربتني بكل قسوة يوم العيد وهي تصيح " أين الفلوس " ، " ماذا ستلبس غدا وقد قطعت بدلتك الجميلة "، لم أكن كثير المشاغبة الا اني كثيرا ما كنت اتعرض للضرب بمختلف الوسائل ، ولكن هذا ليس مهما الآن.


إشتغلت الكهرباء من جديد، فتألمت عيني كمن صحا من نوم طويل، وفتحت اللابتوب لأنجز بعض الأعمال وهكذا حتى طلوع الفجر.

وللقصة بقية

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق