المرأة ظلّ الصمت (ماجد مقبل)

المرأة ظلّ الصمت (ماجد مقبل)

يونس بن عمارة

يونس بن عمارة

سعادة يشعر بالسعادة، بتاريخ نشرت

تنويه: هذه القراءة الأدبية حول المقطع الشعريّ لا تعبر إلا عن فهمي وتذوقي للمقطع، ولا تعكس حقيقة ما يقصده الشاعر، كما قلنا من قبل في القراءات الأخرى، الشعرُ يغتني بالتأويلات، والشعر حالةُ احتفاء بالمتناقض في أقصى صوره.

بادئ ذي بدء، لدي تجربة لا بأس بها في قراءة شعر الشاعر والروائي ماجد مقبل، لذلك نحن هنا لن نحاول “شرح” الشعر أو “تفسيره” بل فقط نكشفُ عنه، أعطيكم لمحة عما أشعر به وأحسه عندما أقرأ مقاطع شعرية من إبداعه.

عندما تضطدم عيناي بكلمة “الظل” فإنه يثير الكثير من الخواطر فيّ، خاصة وإن علمنا أن الظل أو الجزء المعتم من الكون، نال حقه أخيرا فأصبح مثلا العلماء يفكرون فيه وهل هو أسرع من الضوء أم لا. الظل هو الوجه الآخر للضوء والنور، بالتالي هو كيان (نخاله) سلبيا لكنه ليس كذلك هو مكوّن اساسي لوجود النور ككل لانه لو كانت الدنيا كلها نور لم يكن لمفهوم النور ولا الظل أي معنى.

إن القراءات الشعرية خاصة في عصرنا الصعب هذا أصبحت ترتبط بما (اكلته) من وجبات سابقة، يعني الآن لدينا لفظة الظل، وماذا تقول في عقلي؟ إنها تذكرني بما كنت أقرأه في QUORA عن نظرية المؤامرة وأن ناسا لم تنزل على القمر. لماذا؟ من بين الحجج التي يسردها النافون للحدث: الظلال. إنها ليست طبيعية وتكشف كل شيء.

لسنا هنا بصدد مناقشتهم في الموضوع طبعاً، إنما الفكرة في الظلال وأثرها وتداعيتها في ذهني عندما اقرأ مقطعا شعريا كهذا. أما الصمت (الذي ظهر بشكل ممتاز جدا في فلم QUITE PLACE) فقد تكلمنا عنه بصفته عنصراً أساسيا من عناصر السكينة والاطمئنان.

فيم اذن يشترك الظل مع المرأة، نجدد القول هنا أنه لا يمكنك محاكمة الشعر منطقيا وعباراته ليست “قضايا” يجب محاكمتها بمجهر المنطق، لو كان المنطق له مختبر ومجاهر فلا شك أن الشعراء هم أولئك الكارهين للآلات (مثلما حدث في الثورة الصناعية في المملكة المتحدة) الذي سيأتون بهرواتهم بعد ان وضعوا الزهور والكمنجات لفترة ليحرقوا ويهدموا مختبرات المنطق والتحليل ويحيلوها إلى هباء منثور تذروه الرياح.. حتى ان الشمس لما تسطع على ذلك المبنى المتداعي للمنطق لن تجد شيئا تعكس ظله.

إذاً ما الذي أقوم به هنا وآمل ان يستمر؟ إنه محاولة التذوق وبسط هذه المحاولة في ثوب نثري ليس إلا

لنعد إلى سؤالنا ما الذي يشترك فيه الظل والمرأة في عصرنا هنا حتى نصل إلى فاتحة المقطع “المرآة ظل الصمت”؟

إن الرابط هنا هو القمر في نظري، لا يمكن تخيل مشهد لتأمل القمر وفي ذات الوقت يكون تخيلك في عقلك في محيط به ضجيج. إن مشهد تأمل القمر يقتضي بالضرورة الشعرية والوجدانية وجود سكينة وصمت ثم حالة تفكير في امرأة ما. بعيدة ربما وتشتاق لها. ولا يوجد ثمة عزاء إلا قراءة مقاطع شعر تحسّ فيها بروح الشاعر أو الكون تربت عليك.

إن عصرنا الآن الذي فكر بالضوء وسرعته طويلاً نكص على عقبيه وبدأ يفكر بالظل والظلال و”المادة المظلمة” أو السوداء، وبعد أن استعبد المرأة كثيرا عاد -وإن على استحياء- إلى تكريمها وتبجيلها كما هو المفترض أن يفعل من زمن طويل، وزمننا الذي اثقلنا بالتلوث الضوئي والصوتي كثيرا و”ارفع صوتك عاليا” و’اطلب حقك بالعويل والصراخ” عاد واعطى للصمت قيمته التي يجب ان تكون له.

إذن فاتحة “المرآة ظل الصمت” هي شعارُ الفترة الذي يجمع القيم الثلاثة التي نحتاجها بشدة. نحتاجها بشدة إلى درجة اننا نحتاج ظلا ظليلا وصمتاً كي نقرأ مقطعا شعريا جميلا كهذا ونستوعبه بكل هدوء. بل نتذوقه ونرتشفه كقهوة شعرية لذيذة تأتي لنا بها “المرأة” التي نحب والتي ستظهر لاحقا في هذا المقطع الشعري.

المرأة ظلّ الصمت ؛
وإلهاتٍ تقذفُ الماء ولا تطير ..
تضعُ قهوتكَ الحالمة أمامكَ بيدين من حرير
وأنتَ تُصغي لما أخفاهُ الكلام ؛
حلوةً كخريفٍ يفضّ نزاعاً ساخراً بين صيفٍ وشتاء
وهادئةً كاللحنِ المكتوب على دفتر بيانو
تتهجؤها كالدرس الأول في الموسيقى

ماجد مقبل.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق