كل شخص منا يمر بتجارب وأحاسيس وأحداث مختلفة ومتنوعة كل يوم، منها ما هو سعيد ومثير للحماسة والتفاؤل، ومنها ما هو على العكس من ذلك، لكن مهما كانت طبيعة تلك الأحداث فإن الكثير من الناس يطوي يومه متجاهلاً للأحداث والتجارب التي تمر في حياته اليومية دون دراية بكمية الخبرات والمعارف التي يمكن أن يكتسبها لو اتبع طريقة بسيطة جداً لتسجيل هذه الأحداث، وهي اليوميات!

اليوميات معروفة للكثيرين منا وكل منا يملك إجابته الخاصة عند سؤاله عن اليوميات ومفهومها، فهي بالنسبة للكثيرين مجرد تدوين للأحداث اليومية التي تحصل في حياة كل منا من خلال أسلوب الكتابة الخاص الذي يختلف من شخص لآخر.

لكن هل هذه هي اليوميات فقط؟ وهل تتلخص في مجموعة أحداث بسيطة تحصل في حياتنا ونقوم بكتابتها بطريقة إبداعية أو سردية بسيطة؟

بكل تأكيد لا! اليوميات هي أكثر بكثير من مجرد تدوين الأحداث اليومية كما حدثت مع كل منا، بل هي أسلوب كتابي متكامل يمكن استعماله لعرض وتكوين نظر عن الأحداث والتجارب والخبرات التي يمر بها كاتب اليوميات بشكل مستمر.

لعل أشهر الأمثلة على أهمية اليوميات هي اليوميات التي كتبها العديد من أشهر قادة الثورة الأمريكية ضد بريطانيا والتي لا زالت حتى اليوم تعتبر من أشهر المصادر التاريخية في تلك الحقبة.

اليوميات هي ببساطة شديدة الكتابة عن أي شيء وكل شيء، لكن ضمن جدول كتابي يومي أو شبه يومي يضعه الشخص الكاتب لنفسه، ينظم من خلاله قدرته على التعبير عن كل ما يراوده من خلال اليوميات التي يدونها بشكل مستمر.

التجارب واللحظات، الخبرات المختلفة والجديدة، حصيلة المشاعر الإيجابية والجميلة والمؤلمة، التوقعات والأهداف والأحلام والكثير غيرها يمكن أن تكون المادة الخام التي تقوم عليها كتابة اليوميات كأحد أشكال الكتابة التي يمكن أن نطلق عليها "شعبية".

هي مساحة خاصة، بعيدة عن التعقيد وإطلاق الأحكام، وهي رسالة من الشخص لنفسه قبل أن تكون للآخرين، كل تلك الأسباب تجعل تدوين الأحداث اليومية شيئاً يجب جعله جزءًا لا يتجزأ من النشاطات اليومية.

لماذا ننصحك بكتابة يومياتك؟

الكتابة هي واحدة من أكثر أشكال التعبير صدقًا، حيث تكون وحيدًا مع ورقتك أو لوحة مفاتيحك أو مهما كانت الوسيلة التي تستعملها. هنا تستطيع أن تعبر عن مشاعرك أو تجاربك أو أفكارك بشكل صادق تمامًا دون مواجهة أي نوع من المشاكل التي قد تواجهها عند التحدث علناً أمام الآخرين أو مشاركة أفكارك مع عدد من الأشخاص وجهاً لوجه.

كتابة اليوميات يمكن أن تشكل مساحة فردية خاصة يلجأ إليها الشخص دون أي قلق تجاه ردود الأفعال أو التقييم لأفكاره ومشاعره، منطقة راحة تمكنه من التعبير على سجيته بصدق ودون أي قيود.

من جانب آخر فإن أحد أبرز وأجمل جوانب كتابة اليوميات هي عملية مراجعة الذات ومسيرتك في نهاية كل شهر أو عام، حيث يمكنك من خلال قراءة يومياتك وأفكارك معرفة مدى التطور والتغيير الذي حققته في أفكارك وأحكامك وحياتك.

هذه ميزة رائعة توفرها اليوميات لكتابها، فمثلًا يمكن أن تجد مشكلة واجهتك العام الماضي ومن خلال القراءة في يومياتك ستجد كيف استطعت تجاوزها كدليل ملموس على التغيير المستمر الذي يصيب الشخصية الإنسانية وخبراتها.

كذلك فإن اليوميات هي أداة ممتازة لتطوير القدرة الكتابية، فالكتابة كأي فن ومهنة تحتاج للممارسة الدائمة كي لا يفقد الكاتب المرونة وأدواته اللغوية، تدوين اليوميات هو فرصة مميزة لتطوير كتابتك بشكل كبير والاطلاع بشكل دائم على مدى التطور الذي اكتسبته في خزينتك اللغوية وأسلوب كتابتك.

ماذا عن أحد أهم الجوانب المتعلقة باليوميات وهو الجانب النفسي؟ ثبت علمياً بأن الكتابة وخصوصًا تدوين اليوميات تساعد بشكل كبير على التحكم بالمشاعر والمساعدة على الاسترخاء ومواجهة مشاكل القلق والاكتئاب، خصوصاً أنها نافذة دائمة للشخص للتعبير بصدق كامل عن مشاعره ومخاوفه وآماله من خلال الكتابة.

بالطبع قد تملك أسبابًا أخرى فريدة جدًا وخاصة بك لكتابة اليوميات الخاصة بك، مهما اختلفت الأسباب فإن كتابة اليوميات هي تجربة فريدة من نوعها علينا جميعاً خوضها لمعرفة الأثر الكبير الذي يمكن أن تحدثه في حياتنا.

تخصص في يومياتك

كتابة اليوميات لا يعني كونها بالضرورة شاملة لمختلف التجارب والخبرات التي قد تمر بها، فليس بالضرورة أن تكتب بشكل عشوائي عن مختلف مجالات حياتك ضمن يومياتك، بل يمكنك تخصيص كتابة اليوميات ضمن أحد المجالات الشائعة لليوميات والتي تشمل:

يوميات العمل: هذا النوع من تدوين اليوميات يقارب مسيرة الشخص في مجال عمله، حيث يمكنه الكتابة عن تجاربه وخبراته في مجال عمله والفرص والمشاكل التي تواجهه في بيئة العمل، وتعتبر أحد أهم الوسائل للاطلاع على مسيرة العمل ومدى التطور الذي تم تحقيقه من خلالها.

اليوميات الأكاديمية: في الحياة الأكاديمية سواء كنت طالباً في جامعة أو مدرساً فأنت بحاجة لما هو أكثر بكثير من مجرد تقويم تضع فيه تواريخ التزاماتك، اليوميات الأكاديمية هي أفضل طريقة لتدوين وكتابة كل ما تحتاج للعودة إليه بخصوص حياتك الأكاديمية.

يوميات الطعام: نعم ما يبدو وكأنه اسم لمسلسل كرتوني طريف هو في الحقيقة أحد أشكال اليوميات الشائعة والتي يعتمدها الكثيرون حول العالم، هذا النوع من تدوين اليوميات يقوم على الكتابة بشكل مستمر عن أنواع الطعام التي تتناولها وتجربتك معها للوصول إلى أفضل طريقة تحافظ بها على نظام طعام صحي وشهي في حياتك.

اليوميات الصحية: بالطبع صحتك هي الهبة الأهم التي تتمتع بها في حياتك، ولا مجال لإهمالها رغم ضغوط الحياة والعمل والدراسة. اليوميات الصحية هي أفضل وأمتع طريقة تدون بها أي تغييرات صحية أو تجارب تمر بها على صعيد صحتك، وربما قد تكون المعلومات المدونة فيها سبباً في إنقاذ حياتك يومًا ما حين تعرضها على الطبيب!

أنواع اليوميات لا تقتصر على المجالات سابقة الذكر، بل توجد العديد من أنواع اليوميات التي تختص في مختلف مجالات الحياة مهما كانت دقيقة أو نادرة، بسيطة أو معقدة، لكن العامل المشترك بينها جميعًا هو أنها الوسيلة الأفضل لتدوين وتقييم التجارب والخبرات.

الصورة بواسطة Estée Janssens